تأمّلات: النموّ بوصفه منهجًا
عبر رحلته من القاهرة إلى إسطنبول ثم برلين، لم ينتقل «نازح» فحسب؛ بل تحوّل. كانت القاهرة لحظة الميلاد، حيث وجد النزوح لغته ومادّته الأولى. وكانت إسطنبول لحظة التحوّل، حيث تخلّى المعرض عن جسده الخشبي ليصير نسيجًا، جماعيًا، مساميًا. أمّا برلين فكانت لحظة الترسيب، حيث عادت الذاكرة إلى الخشب، لكن بوصفها صدى؛ نقشًا فوق نقش. عبر هذه المراحل، تعلّم المعرض أن يعيش كما تعيش المادّة: بتغيير شكله كي يظلّ حيًّا.
يتجاوب هذا الإيقاع من التغيّر مع مفهوم «المقال المتحوّل» لدى Metode، وهو عمل ذو هيئة حيّة «تحتضن المخاطرة والهشاشة لتسهيل التحوّل» (هالاند وسولباكن، 2024). وكما تكتب إنغريد هالاند، فإن التحوّل ليس انهيارًا للشكل، بل عتبةً للاستقبال، حيث يصبح عدم الاستقرار شرطًا للنموّ. في «نازح»، ينطبق المبدأ ذاته: يتوسّع المعرض عبر الهشاشة، وعبر الأخطاء اللوجستية، والمسارات المقطوعة، وتبدّل المواد التي تشكّل كل حركة من حركاته.
بهذا المعنى، لا يكون النموّ خطّيًا، بل متزامنًا، مترددًا مع «منهج القرب» لدى Metode، الذي يضع الكتابة والقيّمية على تماسّ وثيق مع التجربة المعيشة، مع توسيع نطاقها المكاني والزماني في آنٍ واحد. يبدأ «نازح» قريبًا: في غرفة مشتركة، ورشة عمل، قطعة قماش مشدودة بين أيدٍ. لكنّه مع حركته، يسحب المسافات العالمية إلى الداخل. تصير كل غرزة إشارة تلغرافية، على نحو ما تصفه Metode، المجلد الثالث «التيّارات»، ناقلةً عبر بنى تحتية متضرّرة بفعل الحرب والرقابة والمنفى. في هذه الدارة الهشّة، يتجاور القرب والبعد؛ وتغدو الحميمية منهجًا للشهادة العالمية.
وعليه، فإن نموّ المعرض ليس تقدّمًا ولا تكرارًا. كل مرحلة تخلّف رواسب تمتصّها المرحلة التالية. حملت كل نسخة من «نازح» آثار ما سبقها: معجم القاهرة محفورًا في غرز إسطنبول، وخيوط إسطنبول عائدةً كخطوط محفورة في برلين، مُشكِّلةً إيكولوجيا للتذكّر. يستدعي هذا التراكم الترسيبي فكرة إدوارد كيسي بأن «الذاكرة لا تُخزَّن، بل تُعاش» (كيسي، 2000)، وأن طوبوغرافيتها تتشكّل عبر العودة وإعادة التكوين.
ما قد يبدو خطأً يكون غالبًا شكلًا من التوهان يفتح مسارات غير متوقّعة للعلاقة. يتشكّل إيقاع «نازح» عبر مثل هذه المتاهات؛ فكل انقطاع يصير نبضًا، ولحظة إصغاء، وفرصة لاستجابة جديدة. إن القيّمية تحت النزوح تعني العمل في الفاصل؛ بين ما يمكن التخطيط له وما يجب احتماله. وتتطلّب انتباهًا مُرهفًا للشذرات، وللتغذية الراجعة، ولإيقاع الصنع الجماعي غير المتكافئ.
في «نازح»، لا يكون النموّ تراكميًا؛ بل ينكشف عبر الاحتكاك والاستجابة، عبر تفاعل الأصوات والمواد والإيماءات التي ترفض الاكتمال. «نازح» لا ينتهي في برلين؛ إنّه يواصل تحوّله عبر من يحملونه، ومن يعيدون روايته، ومن يتذكّرونه على نحوٍ مختلف.