(الشكل 8 هنا: شكل رقم (8) «خياطة غزة»، الخريطة القماشية الجماعية النهائية التي أُنتجت في القاهرة وعُرضت في إسطنبول (أيلول/سبتمبر 2025). يترجم العمل الخريطة الخشبية المحفورة لغزة إلى خيط ونسيج، حيث تمثّل كل غرزة حكاية نزوح وبقاء. مُثبّتة على الجدار ومؤطَّرة من ثلاث جهات، فيما تُترك حافتها السفلى مفتوحة لتنساب بحرّية، مستحضرةً البحر الأبيض المتوسط وحركة الذاكرة غير القابلة للاحتواء. من أرشيف المؤلفة).

المعرض بوصفه نموًّا: الحياة المتحوّلة لمعرض نازح

(الشكل 8 هنا: شكل رقم (8) «خياطة غزة»، الخريطة القماشية الجماعية النهائية التي أُنتجت في القاهرة وعُرضت في إسطنبول (أيلول/سبتمبر 2025). يترجم العمل الخريطة الخشبية المحفورة لغزة إلى خيط ونسيج، حيث تمثّل كل غرزة حكاية نزوح وبقاء. مُثبّتة على الجدار ومؤطَّرة من ثلاث جهات، فيما تُترك حافتها السفلى مفتوحة لتنساب بحرّية، مستحضرةً البحر الأبيض المتوسط وحركة الذاكرة غير القابلة للاحتواء. من أرشيف المؤلفة).

Download article as PDF

(الشكل 1 هنا: شكل رقم (1) صورة افتتاحية من مشروع «نازح»، لطفل يتحرّك فوق خريطة خشبية لقطاع غزة، 2024).

يتتبّع هذا المقال نموّ معرض «نازح»، الذي وُلد من تجربة النزوح ويُعاد تشكيله باستمرار عبر الجغرافيات، من القاهرة إلى إسطنبول ثم برلين. في اللغة العربية، تعني كلمة «نازح» الشخص الذي اقتُلِع من مكانه أو أُجبر على مغادرة بيته. عِوضًا عن وجود المعرض كحدث ثابت، يتكشّف معرض «نازح» بوصفه كهيئة حية: تنمو عبر تراكم الأثر، وتتحوّل حين تفرض الظروف تغييرًا في الشكل. كلّ تجلٍّ جديد يأتي استجابةً للمكان، وللقيود، ولرغبة جماعية. ومن خلال هذه الحركة، يتعلّم المعرض كيف يتنفّس بطريقة مختلفة في كل مرة.

في هذا المقال، أستخدم مفهومي النموّ والتحوّل باعتبارهما منطقين مميّزين للتغيّر. يشير «النموّ» إلى الطريقة التي يتوسّع بها «نازح» عبر التراكم: مزيد من الآثار، مزيد من المشاركين، مزيد من طبقات اللغة والمسارات والأشياء التي تبقى في علاقة فيما بينها عبر التكرارات المختلفة. أمّا «التحوّل»، فيصف اللحظات التي يغيّر فيها المعرض جسده—شكله المادي، أو مقياسه، أو نمط المشاركة—لأن الظروف تجعل التكرار مستحيلًا. في «نازح»، غالبًا ما تُستثار التحوّلات بفعل القيود (كالوزن، الحدود، الكلفة، وإمكانية الوصول)، وتُستكمل عبر أيدي وأجساد المشاركين الذين يحوّلون العمل من عرض مُنسَّق إلى سطح ذو تأليف جماعي.

إن التفكير في المعرض بوصفه منهجًا للنموّ يعني قبول عدم الاستقرار بوصفه شكلًا، وفهم القيّمية لا كتكرار، بل كإعادة تجذير. لقد نما «نازح» عبر الخشب والقماش والحفر؛ وعبر اللغة والتطريز والصوت؛ وعبر ذكريات فنانين نازحين يواصلون العبور بين الحدود. وهذا المقال بدوره ينمو جنبًا إلى جنب مع المشروع الذي يتتبّعه؛ جامعًا الصور والشذرات والتأمّلات في مساره، ومتعلّمًا كيف أنّ المعارض—مثل أولئك الذين نزحوا—تستمر من خلال التحوّل والتكيّف مع كلّ اهتزاز في الأرض.

القاهرة: تجذّر النزوح

بدأت حكاية «نازح» في القاهرة أواخر عام 2024، في ممر كوداك بوسط المدينة، وهو مكان يحمل في ذاته ثِقَل تواريخ وهجرات متراكبة. ففي أعقاب 7 أكتوبر 2023، حين شنّت فصائل المقاومة الفلسطينية المرتبطة بحماس هجومًا واسع النطاق ضد الأراضي المحتلة—تلاه عدوان إسرائيلي مدمّر وحصار على غزة استمر لأكثر من عامين—عبر كثير من الفلسطينيين إلى مصر طلبًا لملاذ مؤقت، حاملين معهم شذرات من بيوتهم، ومشاريع انقطعت، وكلمات تغيّرت معانيها بين ليلة وضحاها. ومن هذه الشذرات وُلد «نازح».

(الشكل 2 هنا: شكل رقم (2) ممر كوداك، القاهرة).

أطلقتُ معرض «نازح» ضمن إطار قيّمي وبحثي، عملتُ خلاله كقيّمة وميسّرة ومصمّمة عبر مراحله المختلفة. شمل دوري جمع اللقاءات الأولى، وتصميم عمليات الخرائط، وإنتاج عناصر التركيب المكاني (بما في ذلك الخريطة المحفورة باستخدام تقنية الحفر CNC وأنظمة العرض)، إضافة إلى توثيق المشروع بوصفه أرشيفًا متحوّلًا. وقد طُوّر المشروع ضمن «بينالي غزة»، الذي شكّل الجهة الداعمة والمموِّلة الأساسية. واعتمد تحقيقه على شبكة من التعاونيات المحلية في القاهرة، شملت شركاء إنتاج دعموا عملية الحفر؛ كلستر (CLUSTER)، إلى جانب دعم تقني ومساحة عرض استضافت العمل وساهمت في بناء منظومة العرض؛ شركة الشرق للإنتاج الفني والمسرحي (Orient Productions for Film & Theater) .

في بدايته، لم يكن «نازح» معرضًا، بل كان مكان للتجمّع والالتقاء. حيث اجتمع عدد من الفنانين والكتّاب والمعماريين النازحين بانتظام حول طاولة خشبية طويلة. بدأنا معًا برسم خرائط النزوح: تتبّع مسارات الهروب، ورسم الرحلة من شمال غزة إلى جنوبها، ثم إلى رفح فالقاهرة، وتحديد النقاط التي تفرّقت عندها العائلات والأحياء. لم تكن هذه الخرائط معنيّة بالجغرافيا بقدر ما كانت محاولة لإعادة تركيب الذاكرة، وطريقة لتحديد الموقع الذاتي في عالم صار فجأة بلا حدود واضحة المعالم.

(الشكل 3 هنا: شكل رقم (3) لقطات من ورشة «خرائط النزوح»، القاهرة، نيسان/أبريل 2024.)

من هذه الجلسات، بدأت الكلمات بالظهور؛ تُنطق بتردّد، أحيانًا تُعاد، وأحيانًا تُخترَع. حيث أُعيد تشكيل التعابير اليومية بفعل النزوح، ووُلدت عبارات جديدة من قلب التجربة. تطوّرت هذه الاكتشافات اللفظية إلى «معجم نازح»، وهو أرشيف لغوي حيّ يوثّق كيف يغيّر النزوح المعنى. كُتبت كلّ مادّة فيه بشكل جماعي، حاملةً في آنٍ واحد الحزنَ والفكاهة، الإرهاقَ والخيال. إحدى هذه المفردات، «حلّابة»، ظهرت خلال النقاشات ثم أصبحت لاحقًا مدخلًا محوريًا في المعجم. وهي مشتقّة من الفعل العربي «حلب» (حَلَبَ)، وتُستخدم لوصف الحواجز العسكرية المُسلّحة حيث يُجبر الناس على المرور عبر مسارات ضيّقة ومضبوطة تحت المراقبة، وبين الدبابات والجنود المسلّحين. تستحضر الكلمة حركةً مُذلّة مفروضة على الأجساد، تُشبَّه فيها حركة البشر بحركة الأبقار (المواشي) التي تُقاد للحلب. بالنسبة لكثيرين ممّن نزحوا من شمال غزة إلى جنوبها، شكّلت «الحلّابة» على شارع صلاح الدين عتبةً قسرية للعنف والسيطرة. ومع عملنا الجماعي على هذه المفردة، اتّضح أن مثل هذه اللغة تحتاج إلى أكثر من تعريف؛ إنها تتطلّب قراءةً مكانية. هكذا تحوّل المعجم إلى ممارسة تأويلية، تتأرجح بين الخرائطية والاستقصاء اللغوي، لتتبع كيف تنقش السلطة نفسها في آنٍ واحد على الفضاء والحركة والاستعارة.

(الشكل 4 هنا: شكل رقم (4) الغلاف والصفحات الداخلية لكتاب «نازح»، وهو معجم مفاهيمي يستكشف لغة النزوح. الكتاب—وهو جزء من المعرض—مصمَّم بجمالية صارمة بالأبيض والأسود، ويضم رسومات فنية ونصًا كُتب باللغتين (العربية والإنجليزية) يعكس البعد المكاني والتجارب المعيشة للهجرة القسرية لدى الفلسطينيين في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر 2023. من أرشيف المؤلفة).

ومع نموّ المعجم، برز سؤال: كيف يمكن لهذه الكلمات أن تسكن الفضاء؟ كيف تصبح اللغة مرئية، قابلة للمس؟ قاد هذا السؤال إلى أول معرض لـ«نازح»، مُنسّق بوصفه فعل ترجمة من اللغة إلى المادّة. أصبحت خريطة غزة الخشبية المحفورة بتقنية CNC -والتي تبلغ مساحتها نحو 40 مترًا مربعًا- قلب المعرض: اثنتا عشرة لوحة محفورة بخطوط المدينة، وقد وُسِمت الآن بآثار من نزحوا عنها. أما حولها، فقد عُرضت مفردات المعجم على ألواح سوداء وصناديق ضوئية، لتشكّل كوكبةً من الكلمات والمسارات.

(الشكل 5 هنا: شكل رقم (5) مفردات «معجم نازح» المرتبطة بالنزوح مُثبّتة على ألواح عرض سوداء، ومضاءة بإضاءات خافتة داخل بيئة مظلمة وغامرة. من أرشيف المؤلفة).

الخريطة المستخدمة في الحفر بتقنية الـ CNC كانت بحدّ ذاتها ثمرة عملية مطوّلة من إعادة البناء والأرشفة. على مدى نحو ثلاثة أشهر من العمل المكثّف قبل 7 أكتوبر، قمتُ بجمع خريطة كاملة لقطاع غزة، وتحصيل مصادرها المتناثرة، وإعادة تركيبها. فغزة لا توجد بوصفها كيانًا خرائطيًا واحدًا سهل الوصول؛ إذ تُقسَّم إداريًا إلى محافظات، ومعظم الخرائط المتاحة تغطّي مناطق جزئية فقط؛ مدينة غزة، أو الشمال، أو الوسط، أو الجنوب؛ كل منها بشكل منفصل. ولإعادة بناء المخطط الكامل، تواصلتُ مع عدد من البلديات وأفراد يمتلكون خرائط سابقة، وتحقّقتُ من امكانية الربط بينها عبر منصّات مفتوحة المصدر، مثل (OpenStreetMap).

كانت هذه العملية تقنية وسياسية في آنٍ واحد؛ إذ مثّلت محاولةً لحفظ معرفة مكانية كانت بالفعل مهدَّدة بالمحو. وعليه، فإن خريطة غزة المحفورة بالـ CNC ليست قاعدةً محايدة، بل نتاج فعل مقصود من العناية الخرائطية، وجهدٍ لصون الذاكرة المكانية لغزة قبل تدميرها المنهجي على يد القوات الإسرائيلية.

(الشكل 6 هنا: شكل رقم (6) في قلب المعرض خريطة تفاعلية لقطاع غزة تعيد النّظر في معنى النزوح، بمساحة تقارب 40 مترًا مربعًا (10.8 × 3.7 م)، محفورة بتقنية CNC على خشب MDF. بعد إنجاز الخريطة، تم دعوة النازحين من غزة إلى السير فوقها، وتحديد مسارات نزوحهم مع أحبّتهم، والتفاعل ضمن بيئة داعمة وتذكارية تُحفّز الذاكرة. من أرشيف المؤلفة).

لم يكن الجمهور مجرّد متلقٍ سلبي؛ بل تم دعوته للمساهمة عبر الكتابة، أو التثبيت بالدبابيس، أو تتبّع الذكريات الخاصة بالمشاركين على الخريطة. ترك بعضهم ملاحظات، وأضاف آخرون قطع ونماذج إنشائية مصغّرة أو رسموا رموزًا لبيوتهم. تدريجيًا، تحوّل المعرض إلى موقعٍ حيّ للسرد. كلّ إيماءة وسّعت مفرداته، محوِّلةً إيّاه إلى سجلّ جماعي لكيفية تذكّر الناس ونسيانهم وإعادة تخيّلهم.

أتذكّر زائرًا خلع حذاءه قبل أن يخطو على الخريطة المحفورة، وبدأ يتتبّع مسارًا بطرف إصبعه، متوقّفًا عند اسم حيّ كما لو كان جرحًا. اتصل بشخصٍ عبر الهاتف، ورفع الشاشة فوق الخريطة، وسأل: «هل كان هذا الشارع أم الذي يليه؟». في تلك اللحظة، انتقلت الخريطة من كونها موضوع عرض إلى سطح تحقّق، حيث تُختبَر الذاكرة عبر اللمس، وتُعاد بناء الجغرافيا عبر إيماءات متردّدة.

لم يسعَ المعرض إلى تمثيل النزوح بوصفه مأساةً فحسب. بل قدّم النزوح بوصفه منهجًا وطريقة للإحساس والمعرفة والوجود في العالم؛ مُنتجّا بذلك أشكالًا جديدة من الاتصال والمقاومة والمعرفة الموضعيّة. ينسجم هذا النهج القيّمي بشكل وثيق مع فهم إدوارد سعيد للمنفى، الذي رآه ليس مجرّد حالة فقدان، بل موقعًا نقديًا يمكن من خلاله مساءلة الماضي والحاضر معًا. وكما يؤكّد سعيد: «بالنسبة للمنفي، فإن عادات الحياة والتعبير أو النشاط في البيئة الجديدة لا بدّ أن تحدث على خلفية ذاكرة هذه الأشياء في بيئة أخرى. وهكذا تكون البيئتان—الجديدة والقديمة—حيّتَين وفعليّتَين، تحدثان معًا على نحوٍ متسّق» (سعيد، 2000: 186). يتبنّى «نازح» هذا الوعي المزدوج؛ إذ ينظر إلى الوراء نحو ما فُقد، وفي الوقت نفسه يتخيّل ما يمكن استعادته أو إعادة تشكيله.

بهذا المعنى، لم يكن «نازح – القاهرة» مجرّد تمثيلٍ للنزوح، بل منهجًا لإنتاج المعرفة. داخل فضائه، نمت اللغة والجغرافيا والتجربة معًا. لم ينتهِ المعرض بإغلاق الأبواب؛ بل واصل تراكم الآثار والأصوات والمعاني. كان نموّه داخليًا ومكانيًا في آنٍ واحد؛ منهجًا حيًّا تعلّم كيف يستمر عبر المشاركة والكرم والذاكرة.

(الشكل 7 هنا: شكل رقم (7) المؤلفة تتتبّع مسارات النزوح على خريطة غزة المحفورة بتقنية CNC خلال معرض «نازح»، القاهرة (2024)).

في القاهرة، بدأتُ أفهم ما الذي يمكن أن يعنيه «المعرض بوصفه منهجًا». لم يكن الأمر متعلّقًا بتنسيق الأشياء ضمن تماسكٍ شكلي، أو بإدارة الفضاء كمهمّة تقنية؛ بل بإتاحة المجال للشكل كي ينبثق من العلاقة. صار المعرض موقعًا للتعلّم، ومساحة تنشأ فيها مهارات جديدة، وحساسيات مختلفة، وأشكال من الجماعية. كلّ لقاء مع المشاركين النازحين كان يطمس الحدود بين الفنان والقيّم والشاهد. كان العمل يتطلّب الإصغاء بدل التوجيه، والرعاية بدل السيطرة. وبهذا المنهج، تحوّلت القيّمية من عرضٍ إلى مشاركة، ومن تنظيم المادّة إلى تنظيم الانتباه. صار المعرض نفسه مُعلّمًا: علّم الصبر، والتفاوض، وأخلاقيات الجمع البطيئة لما تشتّت. كشف «نازح» أن المنهج يمكن أن ينمو من داخل العملية ذاتها، لا أن يُفرض من النظرية، بل أن يُستشعَر عبر ممارسة مشتركة. وبهذا المعنى، غدت قيّمية النزوح قيّميةً للنموّ.

ومن هذا الجذر الراسخ في القاهرة، وجد المشروع حركته التالية. حين غادر المعرض القاهرة، لم يحمل معه الأشياء والنصوص فحسب، بل حمل منهجًا؛ طريقة للنموّ عبر الاستجابة، والإصغاء لما يمكن أن يقدّمه كل مكان وكل جماعة. لم يعد السؤال: كيف نعرض النزوح؟ بل: كيف نسمح للمعرض نفسه أن يصبح نازحًا، متحوّلًا، ومتجدّدًا؟ هذا السؤال سيقود «نازح» في رحلته إلى إسطنبول، حيث تخلّت الخريطة الخشبية عن مادّتها لصالح القماش، وحيث صار فعل التطريز لغةً جديدة للانتماء.

(الشكل 8 هنا: شكل رقم (8) «خياطة غزة»، الخريطة القماشية الجماعية النهائية التي أُنتجت في القاهرة وعُرضت في إسطنبول (أيلول/سبتمبر 2025). يترجم العمل الخريطة الخشبية المحفورة لغزة إلى خيط ونسيج، حيث تمثّل كل غرزة حكاية نزوح وبقاء. مُثبّتة على الجدار ومؤطَّرة من ثلاث جهات، فيما تُترك حافتها السفلى مفتوحة لتنساب بحرّية، مستحضرةً البحر الأبيض المتوسط وحركة الذاكرة غير القابلة للاحتواء. من أرشيف المؤلفة).

Click to open and explore in fullscreen mode

إسطنبول: الجسد المتحوّل

إذا كان «نازح – القاهرة» يدور حول تجذّر النزوح، فإن «نازح – إسطنبول» كان عن تعلّم الحركة معه وخلاله. لم يكن الانتقال من مدينة إلى أخرى مجرّد نقل لوجستي، بل تحوّلًا قيّميًا؛ معرضًا يرفض التكرار، ويختار بدلًا من ذلك أن ينمو عبر التغيّر. حين تعذّر شحن خريطة غزة الخشبية المحفورة بتقنية CNC بسبب وزنها وحجمها وكلفتها، تحوّل القيد إلى اقتراح. لم يعد السؤال كيف ننقل الخريطة، بل كيف نسمح للخريطة أن تتحوّل عبر النزوح.

من هذا القيد وُلدت «خياطة غزة»: خريطة نسيجية جماعية ترجمت مسارات النزوح المحفورة في غزة إلى خيوط وأقمشة وأيدٍ. تشكّلت منطقية مادّية جديدة؛ أخفّ وزنًا، أكثر هشاشة، وأقرب إلى الجسد. طُبعت الخريطة على قماش الكتّان، ثم التفّ حولها أربعة عشر نازحًا من غزة يقيمون في القاهرة، يحمل كلٌّ منهم حكايته الخاصة عن الفقدان والفرار والاحتمال. على مدى أسبوعين، ومن خلال الخيط والحوار، تتبّع المشاركون رحلتهم فوق المخطط المطبوع لغزة، لا لاستعادة ما فُقد، بل لإبقائه حيًّا عبر اللمس.

(الشكل 9 هنا: شكل رقم (9) ورشة «خياطة غزة»، القاهرة (آب/أغسطس 2025). أربعة عشر فنانًا ومشاركًا نازحًا من غزة يطرّزون بشكل تعاوني مسارات نزوحهم على خريطة قماشية مطبوعة لغزة. مثّل كل خيط مسار هروب، أو موقع ذاكرة، أو إيماءة عودة. عبر هذا الفعل الجماعي، حوّلت الورشة الخرائطية إلى رعاية، وأعادت حياكة الجغرافيا من خلال التجربة المعيشة).

كان كل خيط يحمل شهادة. بعضهم خاط بصمت؛ وآخرون رووا أين بدأ الخط، ومتى بدأ القصف، وأي شارع اختفى. صار فعل الخياطة إيماءة سياسية ومقاومة بطيئة للمحو، وطريقة لترميم ما لا يمكن بعدُ إعادة بنائه.

أصبح كل مشارك في آنٍ واحد يمارس الفعل الخرائطي والسّردي، ينقش البقاء في نسيج جغرافيا غزة ذاته. هنا، لم تكن المشاركة الجماعية إضافةً للجمهور، بل محرّك المعرض. نما المعرض عبر تراكم المسارات المخيّطة، لكنه تحوّل؛ لأن التأليف تغيّر: لم تعد المعاني تُنتج أساسًا عبر الاختيار القيّمي، بل عبر النقش الجسدي؛ أيدٍ تشدّ الخيط، تعقد العُقَد، تُصحّح الخطوط، ترفض مسارات بعينها، وتُطيل الوقوف عند أخرى. عملت الأجساد كوكلاء قيّميين، وتشكّل العمل من التماس لا من التعليمات.

وعندما اكتمل العمل الجماعي، شُحن القماش—وقد بات كثيفًا بطبقات الخيوط والعُقَد وذكريات التطريز—إلى إسطنبول. هناك، لم يُثبَّت بوصفه نسخة عن معرض القاهرة، بل بوصفه نموّه التالي. كانت الخريطة قد غيّرت مادّتها وجغرافيتها ومعناها. وصلت إلى مدينة جديدة، حاملةً آثار الأيدي والغبار والذاكرة من القاهرة، جسمًا نازحًا يشهد على نزوح صنّاعه.

في إسطنبول، صار «نازح» أقلّ ارتباطًا بالشيء وأكثر اتصالًا بالعملية التي تُبقيه حيًّا. القماش المطرّز، المعلّق والمتنفّس في فضاء العرض، استقطب جماهير جديدة، ولغات جديدة، وأشكالًا جديدة من الإصغاء. كان الزوّار يتتبّعون الخيوط بأعينهم، متابعين مسارات منفى تمتدّ إلى ما وراء الإطار. صار نزوح المعرض نفسه مرئيًا؛ استمراريةً من الرعاية والتكيّف تعكس الحالة التي يسعى إلى التعبير عنها.

ماذا يعني أن نفكّر في المعرض بوصفه منهجًا؟ في إسطنبول، انكشف هذا السؤال لا كنظرية، بل كممارسة للتكيّف. لم يعد «نازح» مجرّد مساحة للعرض، بل موقعًا للتعلّم. صارت القيّمية فعل إصغاء: إلى المواد التي تقاوم السيطرة، وإلى المشاركين الذين يعيدون تعريف العملية، وإلى الشروط غير المرئية التي تُحدّد ما يمكن أو لا يمكن إنجازه. تمدّد المعرض إلى ما وراء جدرانه؛ غدا جغرافيا من إيماءات عديدة؛ التخطيط، والخياطة، والتوثيق، والانتظار. وربما تعني القيّمية تحت النزوح قبولَ أن النموّ لا يحدث عبر الإتقان، بل عبر الاستجابة: بين الناس والمواد، بين الفشل والاختراع، بين ما يمكن تخيّله وما يجب احتماله.

لم يكن الانتقال من الخشب المحفور إلى القماش المطرّز مجرّد تحوّل جمالي؛ بل كان تحوّلًا أخلاقيًا. الثقيل صار خفيفًا، والثابت صار قابلًا للحركة، والمحفور صار ملموسًا. أن تُقيِّم تحت النزوح يعني أن تبقى مساميًّا، وأن تسمح للمواد بأن تستجيب لعدم استقرار الجغرافيا. كل تحوّل كان بمثابة سياسة مختلفة للصمود. وبهذا المعنى، لم يكن «نازح – إسطنبول» (20 أيلول/سبتمبر إلى 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) استمرارًا عبر التكرار، بل تكرارًا تحويليًا غيّر جسد المعرض مع الحفاظ على ذاكرته.

ومن إسطنبول، لم يتطور «نازح» كخريطة أو عمل فني فحسب، بل كحساسيةً؛ كطريقة عمل تتبنّى التغيّر شرطًا للمعنى. لم يعد المعرض يسافر كجسد ثابت، بل كنبض، يستجيب لكل جغرافيا بلغة مادّية مختلفة، وبنمط مشاركة مغاير. وحين وصل إلى برلين، تعمّق هذا النبض ليصبح تأمّلًا معماريًا: نقشُ النزوح في الخشب من جديد، لكن هذه المرّة بوصفه صدى فوق صدى، حوارًا بين الذاكرة والمادّة والمسافة.

(الشكل 10 هنا: شكل رقم (10) إسطنبول، 2025. المؤلفة/القيّمة في حوار مع الزوّار خلال المعرض، حيث تُتتبَّع حكايات النزوح مباشرة على الخريطة القماشية الجماعية. حوّل هذا اللقاء العمل الفني إلى سطحٍ حواري، وأرشيفٍ حيّ ينمو مع كل تبادل، حيث غدت السرديات واللمس أدواتٍ قيّمية لإنتاج المعرفة. من أرشيف المؤلفة).

برلين: طبقة من الأصداء

في برلين، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، عاد «نازح» إلى الخشب، لا بوصفه نسخةً عن بدايته، بل كصدى لكل ما تعلّمه المشروع سابقًا. نُقشت خريطة غزة مجددًا بدقّة CNC، غير أنّ هذه العودة كانت مشكَّلة بتجربة تراكمت عبر مراحل القاهرة وإسطنبول. وبعد العمل سابقًا على الحفر والخياطة والتفاعل الجماعي، اقتربنا من السطح الخشبي بقدرٍ أعلى من الانتباه لثقل الخطوط وعمقها وكثافتها، وللعناية اللازمة لترجمة الجغرافيا إلى مادّة من دون إثقالها.

لم يكن ما تردّد صداه في برلين علامةً سابقة، بل أُلفة مع العملية. كانت القرارات حول أيّ الخطوط يمكن أن تبقى خفيفة، وأيّها يحتاج عمقًا، وكيف ينبغي أن تُسجَّل المباني على السطح، مستندةً إلى لقاءات سابقة مع الخريطة؛ إلى كيف مشى الناس فوقها، وخاطوا فيها، وتحدّثوا فوقها. وهكذا حمل الحفر ذاكرة الاستخدام لا صورة الماضي. وبينما أُضيفت طبقات ذكريات القاهرة وبرلين لاحقًا عبر نماذج وأثاث وعناصر تشاركية بدل الحفر، حملت الخريطة الخشبية نفسها أثر ممارسةٍ متعلَّمة: عودة إلى المادّة؛ مُشكَّلة بما عاشه المعرض بالفعل. ما نُقش في القاهرة ثم أُعيد تخيّله عبر القماش والخياطة في إسطنبول، يُعاد تكوينه في برلين كأرشيف مزدوج عبر الطبقات لا الترجمة. تُنقش خطوط جغرافية غزة مرة أخرى في الخشب، فيما يتم ادخال زمنين للنزوح عبر عناصر إضافية—نماذج صغيرة، وأثاث، وعلامات تشاركية—تُضاف فوق الخريطة وحولها. تسجّل إحدى الطبقات فورية النزوح الحديث، فيما تجمع الأخرى ذكريات غزة المستحضَرة من مسافة اغتراب. معًا، تتيح هذه الطبقات لزمنيات وتجارب متعددة أن تسكن السطح ذاته من دون أن تنصهر في سردية واحدة.

يضع هذا النهج «نازح» ضمن نقاشات أوسع حول الخرائط المضادّة وعمل الذاكرة. فقد شدّدَت دراسات حديثة في مجال الخرائط المضادّة على أن الخرائط يمكن أن تعمل بوصفها مواقع لعمل الذاكرة والمقاومة، ولا سيّما في سياقات المحو والعنف الاستيطاني الاستعماري. وكما تجادل لويزا غاندولفو، فإن الخرائط المضادّة لا تكتفي بتقديم تمثيلات بديلة للفضاء، بل تُيسّر عمل الذاكرة عبر إعادة إدراج الأسماء والسرديات والعواطف التي جرى محوها داخل الشكل الخرائطي، وغالبًا من خلال أرشيفات ديناميكية ومتعدّدة الطبقات تقاوم الإغلاق (غاندولفو، 2025). وبينما تعمل كثير من مشاريع الخرائط المضادّة المعاصرة عبر منصّات رقمية وواجهات غامرة، يبتعد «نازح» عن هذا النموذج من خلال تموضع عمل الذاكرة داخل ممارسة جماعية مُجسَّدة. فبدل تجميع الشهادات في أرشيف رقمي يُحدَّث باستمرار، يُقدّم المشروع الحضور الجسدي المشترك في الصدارة: التطريز، والمشي، ووضع العلامات، والسرد بوصفها أنماطًا للخرائط المضادّة. وبهذا المعنى، ينقل «نازح» الخرائط المضادّة من ممارسة تمثيلية أو منصّاتية في المقام الأول إلى ممارسة مادية علاقية، حيث تُنتَج الذاكرة عبر إيماءات مشتركة وتراكب زمني، لا عبر تراكم البيانات وحده.

(الشكل 11 هنا: شكل رقم (11) «نازح»: عملية الإنتاج في برلين (2025). تسلسل من مختبر الـ CNC حيث أُنتجت الخريطة الخشبية الجديدة المحفورة لقطاع غزة).

تحمل الطبقة الأولى؛ المسارات التي نقشها أولئك الذين نزحوا من غزة إلى القاهرة بعد أكتوبر 2023: هشّة، فورية، مرسومة على مقربة من الفقد. أمّا الطبقة الثانية فتدعو فلسطينيّي الشتات في برلين وألمانيا إلى تسجيل ذكرياتهم حول غزة كما كانت، قبل الدمار الأخير. معًا، تنسج هذه النقوش حوارًا بين غزّتَين: واحدة تُستعاد عبر الحضور، وأخرى عبر مسافة الاغتراب. وبينهما يمتدّ فراغ الغياب غير القابل للجسر، لكن ينبض أيضًا خيط من الاستمرارية المشتركة.

جرت مقاربة الحفر بتقنية الـ CNC في برلين بوصفها عملية مقصودة وتكرارية، لا تنفيذًا تقنيًا صرفًا. فبدل التعامل مع الخريطة كبيانات ثابتة تُحفَر بشكل موحّد، جرى اختبار وضبط ثِقَل الخطوط وعمقها وكثافتها عبر محاولات متعددة. نُقشت بعض المسارات والحواف الحضرية بخفّة أكبر لتجنّب التشبّع البصري، فيما احتاجت أخرى إلى عمقٍ أكبر لتظلّ مقروءة عند القراءة على مقياس واسع. استندت هذه القرارات إلى لقاءات سابقة مع الخريطة في القاهرة وإسطنبول؛ إلى كيف مشى الناس فوقها، وخاطوا فيها، وتوقّفوا طويلًا عند مناطق بعينها. بهذا المعنى، صار الحفر أقلّ ارتباطًا بتعظيم الدقّة وأكثر اتصالًا بمعايرة السطح للقراءة واللمس والذاكرة. لم يكن حفر غزة مجددًا تكرارًا لها، بل إصغاءً لأصدائها: تجسيدًا للاهتزازات التي تبقى بعد الدمار، وإعطاء شكلٍ لما يستمرّ.

تحوّلت القيّمية هنا إلى جغرافيا بين الأيدي والأدوات، بين يقين الشيفرة الرقمية ولايقين التذكّر. وبينما وفّر حفر الـ CNC قاعدة جغرافية دقيقة، لم يكن بمقدوره تسجيل الأبعاد الوجدانية والجسدية والسردية التي ظهرت عبر التفاعل الجماعي. وكما تجادل شانون ماترن، لا يمكن اختزال المعرفة الحضرية في الحساب؛ فالمدن—والأشكال التي تحاول تمثيلها—تحتوي أنماطًا من الذكاء تتجاوز معالجة البيانات، بما في ذلك الخبرة المُجسَّدة والذاكرة والانخراط الحسّي (ماترن، 2017). في «نازح»، لم يكن هذا الحدّ فشلًا، بل شرطًا. أدّت الخريطة المحفورة وظيفة بنية جزئية، مفتوحة عمدًا على أشكال أخرى من المعرفة. وما لا يمكن رسمه حسابيًا حُمِل بدلًا من ذلك عبر الأجساد والإيماءات والحضور الجماعي، متحدّيًا فكرة أن المعرفة المكانية يمكن ترميزها بالكامل.

استمرّت حياة المعرض ضمن هذا التوتّر: كيف نجعل الأرشيف ملموسًا من دون تثبيت الحزن، وكيف نبني خريطة دقيقة ومُسكونة في آنٍ واحد. بهذا المعنى، غدت الدقّة نفسها سياسة رعاية؛ رفضًا لأن يطمس المحو تفاصيل ما كان موجودًا يومًا.

إلى جانب التركيب الفني، امتدّت سلسلة من البطاقات البريدية لتدفع بالمعرض إلى الخارج، مُشتِّتة شذرات من غزة في العالم. تحمل كل بطاقة كلمة من «معجم نازح»؛ مطبوعة بالعربية والإنجليزية. يُدعى الزوّار إلى أخذ بطاقة، أو الكتابة عليها، أو إرسالها إلى مكان آخر. هكذا يهاجر المعجم مرةً أخرى، متحوّلًا من نصٍّ على الجدار إلى أثرٍ يُحمل باليد، ومضاعفًا مدى المعرض عبر أفعال تبادل حميمة.

لا تُغلق مرحلة برلين المشروع؛ بل تضيف طبقة جديدة إلى أرشيفه غير المكتمل. إنّها تحوّل النزوح إلى استجابة: بين المدن، بين الأجيال، بين الأحياء والراحلين. هنا، لم يعد «نازح» مجرّد معرض؛ بل صار جسدًا معرفيًا متناميًا، يحمله كل مشارك وزائر وكل غرض يلتقيه.

(الشكل 12 هنا: شكل رقم (12) بطاقات «معجم نازح»، برلين (2025). طُبعت ضمن مرحلة برلين، وتحمل شذرات من معجم «نازح» ورسومات لفنانين فلسطينيين نازحين. صُمّمت ليأخذها الزوّار ويكتبوا عليها ويتداولوها، ناشرةً اللغة والذاكرة خارج جدران المعرض).

مع افتتاح المعرض في برلين، فُتِح المجال لعلامات جديدة، وشهادات جديدة، وشهود جدد. هذا المقال، مثل «نازح» ذاته، يظلّ مساميًا؛ نصًّا مفتوحًا سيواصل التوسّع عبر الصور والتأمّلات والتوثيق مع تطوّر المشروع. لم تُضَف الطبقة الأخيرة بعد؛ إنّها تنتظر ما سيكشفه المعرض.

(الشكل 13 هنا: الشكل 13. معرض «نازح»، مرحلة برلين (2025)).

تأمّلات: النموّ بوصفه منهجًا

عبر رحلته من القاهرة إلى إسطنبول ثم برلين، لم ينتقل «نازح» فحسب؛ بل تحوّل. كانت القاهرة لحظة الميلاد، حيث وجد النزوح لغته ومادّته الأولى. وكانت إسطنبول لحظة التحوّل، حيث تخلّى المعرض عن جسده الخشبي ليصير نسيجًا، جماعيًا، مساميًا. أمّا برلين فكانت لحظة الترسيب، حيث عادت الذاكرة إلى الخشب، لكن بوصفها صدى؛ نقشًا فوق نقش. عبر هذه المراحل، تعلّم المعرض أن يعيش كما تعيش المادّة: بتغيير شكله كي يظلّ حيًّا.

يتجاوب هذا الإيقاع من التغيّر مع مفهوم «المقال المتحوّل» لدى Metode، وهو عمل ذو هيئة حيّة «تحتضن المخاطرة والهشاشة لتسهيل التحوّل» (هالاند وسولباكن، 2024). وكما تكتب إنغريد هالاند، فإن التحوّل ليس انهيارًا للشكل، بل عتبةً للاستقبال، حيث يصبح عدم الاستقرار شرطًا للنموّ. في «نازح»، ينطبق المبدأ ذاته: يتوسّع المعرض عبر الهشاشة، وعبر الأخطاء اللوجستية، والمسارات المقطوعة، وتبدّل المواد التي تشكّل كل حركة من حركاته.

بهذا المعنى، لا يكون النموّ خطّيًا، بل متزامنًا، مترددًا مع «منهج القرب» لدى Metode، الذي يضع الكتابة والقيّمية على تماسّ وثيق مع التجربة المعيشة، مع توسيع نطاقها المكاني والزماني في آنٍ واحد. يبدأ «نازح» قريبًا: في غرفة مشتركة، ورشة عمل، قطعة قماش مشدودة بين أيدٍ. لكنّه مع حركته، يسحب المسافات العالمية إلى الداخل. تصير كل غرزة إشارة تلغرافية، على نحو ما تصفه Metode، المجلد الثالث «التيّارات»، ناقلةً عبر بنى تحتية متضرّرة بفعل الحرب والرقابة والمنفى. في هذه الدارة الهشّة، يتجاور القرب والبعد؛ وتغدو الحميمية منهجًا للشهادة العالمية.

وعليه، فإن نموّ المعرض ليس تقدّمًا ولا تكرارًا. كل مرحلة تخلّف رواسب تمتصّها المرحلة التالية. حملت كل نسخة من «نازح» آثار ما سبقها: معجم القاهرة محفورًا في غرز إسطنبول، وخيوط إسطنبول عائدةً كخطوط محفورة في برلين، مُشكِّلةً إيكولوجيا للتذكّر. يستدعي هذا التراكم الترسيبي فكرة إدوارد كيسي بأن «الذاكرة لا تُخزَّن، بل تُعاش» (كيسي، 2000)، وأن طوبوغرافيتها تتشكّل عبر العودة وإعادة التكوين.

ما قد يبدو خطأً يكون غالبًا شكلًا من التوهان يفتح مسارات غير متوقّعة للعلاقة. يتشكّل إيقاع «نازح» عبر مثل هذه المتاهات؛ فكل انقطاع يصير نبضًا، ولحظة إصغاء، وفرصة لاستجابة جديدة. إن القيّمية تحت النزوح تعني العمل في الفاصل؛ بين ما يمكن التخطيط له وما يجب احتماله. وتتطلّب انتباهًا مُرهفًا للشذرات، وللتغذية الراجعة، ولإيقاع الصنع الجماعي غير المتكافئ.

في «نازح»، لا يكون النموّ تراكميًا؛ بل ينكشف عبر الاحتكاك والاستجابة، عبر تفاعل الأصوات والمواد والإيماءات التي ترفض الاكتمال. «نازح» لا ينتهي في برلين؛ إنّه يواصل تحوّله عبر من يحملونه، ومن يعيدون روايته، ومن يتذكّرونه على نحوٍ مختلف.

قائمة المراجع

أرندت، هانا. 1958. الحالة الإنسانية. شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو.

كيسي، إدوارد إس. 2000. التذكّر: دراسة ظاهراتية. الطبعة الثانية. بلومنغتون: مطبعة جامعة إنديانا.

دي سيرتو، ميشيل. 1984. ممارسة الحياة اليومية. ترجمة ستيفن رندال. بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا.

غاندولفو، لويزا. 2025. «المكان والفضاء والخرائط المضادّة: عمل الذاكرة الرقمية». دراسات الذاكرة.
https://doi.org/10.1177/17506980251368795

هالاند، إنغريد، وسولباكن، ك. 2024. «التزامنيات: مناهج متحوّلة وقوّة كامنة». Metode، المجلد 4.
https://metode.rom.no/articles/essay/concurrencies-mutating-methods-and-latent-leverage

إنغولد، تيم. 2013. الصنع: الأنثروبولوجيا، والآثار، والفن، والعمارة. لندن: روتليدج.

ماترن، شانون. 2017. «المدينة ليست حاسوبًا». Places Journal، فبراير.
https://doi.org/10.22269/170207

سعيد، إدوارد و. 2000. تأمّلات في المنفى ومقالات أخرى. الطبعة الأولى. كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد.

Hala Eid Alnaji, “Exhibition as Growth: The Mutating Life of ‘Nazeh’”, Metode (2026), vol.4 ‘Exhibition as Method’